Sunday, 4 April 2010

العالم 4-4-10

حشمة مستوردة

خالد القشطيني

كثيرا ما اتهمني البعض بالبذائة والخلاعة. عبثا اقول لهم ، الستم تحثوننا على التمسك بتراثنا و تعتزون به؟ ام انتم جهلاء فيه؟ لم تقرأوا منه شيئا؟ اذن فقد آن لكم ان تراجعوا عيون الادب العربي و تتعلموا. اتعضوا بما يقوله هذا العلم من اعلام الأدب ، ابن قتية:
"اذا مر بك حديث فيه افصاح بذكر عورة او وصف فاحشة، فلا يحملنّك الخشوع او التخاشع ، على ان تصعر خدك و تعرض بوجهك ، فإن اسماء الاعضاء لا تؤثم، و انما المأثم في شتم الاعراض و قول الزور و اكل لحوم الناس بالكذب."
و كأني بأبن قتيبة يخاطب بكلماته الاخيرة كل هؤلاء المعاصرين من ادبائنا ونقادنا و صحافيينا و زعمائنا و ناشرينا. كنت اتابع مقابلة تلفزيونية مع المتبولي الأبن ، صاحب دار النشر الشهيرة في القاهرة. قال انه يرفض نشر اي شيء فيه اشارات للجنس حتى ولو اجاز الرقيب نشر الكتاب. هذا ما قلته مرارا. انني افضل التعامل مع الرقيب الرسمي على التعامل مع الناشرين. فالرقيب بصورة عامة حريص على حرية الفكر ولا يتدخل الا عند الضرورات. اما الناشر فحريص على الكسب براحة البال. فلو ترك الأمر للمتبولي لرفض نشر القرآن الكريم لأنه يذكر الفرج و الدبر عدة مرات و يورد اشارات واضحة للجماع. و انا لا اشير لهذه الكلمات الا و شطبها رؤساء التحرير.
اذا كان تراثنا حاشدا بالحكايات و الطرائف و النكات و الاشارات الجنسية بكل حرية ، فكيف انتقلنا الى هذا التزمت الكاذب؟ يجرنا هذا الموضوع الى القرن التاسع عشر فبعد اباحيات الثورة الفرنسية حصل رد فعل فساد ما يسمى بالبيوريتانية ( النقاء الديني) التي تشابه الى حد ما المذهب الوهابي. اصبح من العيب ان تقيم وليمة على مائدة ارجلها غير مغطات بغطاء مائدة ( تيبل كلوث). فأرجل المائدة تذكر الانسان بسيقان المرأة!
رأيت في مصر كثيرا من التماثيل الفرعونية التي قطعت او مسحت اعضاؤها الجنسية. تصورت ان المسلمين قاموا بذلك. و لكن اتضح ان من قام بهذا التخريب كان المبشرون الاوربيون الذين زاروا مصر في ذلك القرن. لم يعترض المسلمون قط على ما رأوا. حاول العرب في تلك الفترة اللحاق بأوربا . فعلوا ذلك بتقليد الاوربيين و اقتباس ما لديهم. و لكن ما حصل هو اننا لم نأخذ من الاوربيين علومهم و فنونهم وديمقراطيتهم . اكتفينا بأقتباس الروح البيوريتانية. عيب تذكر الاعضاء . عيب تتكلم عن الجنس . عيب تنشر صورة خلاعية. الحقيقة ان هذا التزمت الذي وقعنا به لا يمت بصلة الى تراثنا او ديننا و انما هو شيء مستورد من اوربا القرن التاسع عشر. و لكن سرعان ما غسل الاوربيون ايديهم من تلك الروح و اطلقوا لأنفسهم العنان ، ولاسيما بعد الثورة الجنسية في الستينات في حين بقينا نحن اسرى لشيء نبذوه من زمان. على من يدعون لمحاربة تأثيرات الغرب ان يسمعوا ما قلته .