Sunday, 8 August 2010

الاسبوعية 8-8-10

الدم الخفيف و الدم الثقيل

خالد القشطيني

الثقل و الثقلاء باب اساسي من ابواب الفكاهة العربية. شاعت حكاياته و ملحه في بغداد العهد العباسي و اوردت الكتب نماذج عديدة منها. الغريب ان هذا الباب من الفكاهة العربية انقبر و لم نعد نسمع منه شيئا في عصرنا هذا. لا ادري لماذا. ربما خوفا من السلطة فجل من تولوا الحكم في عالمنا العربي تميزوا بدمهم الثقيل فيتصورون انهم هم المقصودون في الحكاية. فباستثناء سعد زغلول في مصر و بورقيبة في تونس و فارس الخوري في سوريا ، لم نسمع عن اي من الزعماء العرب تميز بخفة الدم وروح الظرف. اخذنا في الآونة الأخيرة نسمع الكثير من ظرافات و سخريات جلال الطالباني. نحتاج لكردي يعيد الينا شيئا من تراثنا و يغذي ارواحنا الكئيبة بشيء من الدم الخفيف.
كان ممن ولع بحكايات الثقلاء عبد الرحمن بن الجوزي. روى فيما كتبه عن العلماء و الحكماء الكثير من ذلك. و الظاهر ان مشايخ الاسلام و علماء الدين كانوا متميزين بخفة الروح و الظرافة في ذلك الزمن . فبعد ان روى ابن الجوزي الكثير من طرائف الشيخ الشعبي انتقل الى ظريف عراقي آخر هو سليمان الأعمش . ولد سليمان بن مهران الكاهلي عام 61 هـ في الري و نشأ و مات في الكوفة. وهو من الرواة. وقد لقب بالأعمش وهي صفة سألوه عنها . قالوا له ، " مم عمشت عيناك ؟" فقال من النظر الى الثقلاء."
و يظهر انه كان حساسا جدا بالنسبة للثقلاء و معاناته منهم، حتى روى عنه القاضي شريك بن عبد الله النخعي ، فقال: انه سمع الأعمش يقول: " اذا كان عن يسارك رجل ثقيل و انت في الصلاة ، فتسليمة عن اليمين تجزئك." فتوى ظريفة في ايام ظريفة!
استشهد الأعمش بغالينوس فنسب اليه قوله ان لكل شيء حمى، و حمى الروح النظر الى الثقلاء.
و دخل عليه رجل ثقيل يعوده في مرضه فقال: " ما اشد ما مر بك في علتك هذه؟" فأجابه : " دخولك!" و كان من عادته انه اذا رأى ثقيلا قال له :" كم عزمك تقيم في هذا البلد؟"
و روى حفص بن غياث لأبنه انه التقى ذات يوم بالأعمش فقال له هذا : " اذا كان غد فتعال علي حتى احدثك عشرة احاديث ، و اطعمك عصيدة. و انظر لا تجيء معك بثقيل!" قال حفص فعدوت اريد الأعمش فلقيني ابن ادريس فقال لي اين تريد؟ قلت الى الأعمش. قال فامض بنا . فلما بصرناالأعمش دخل الى منزله و اوصد الباب و جعل يقول من الداخل " يا حفص لا تأكل العصيدة الا بجوز. الم اقل لك لا تجئني بثقيل؟!"
و قال السيناني ان رجلا دخل على الأعمش فقال: " يا ابا محمد لولا اني اكره ان اثقل عليك لزرتك في عيادتك. فقال له الأعمش: " انك تثقل علي و انت في بيتك ، فكيف اذا دخلت علي؟"
و قال الربيع ن نافع: كنا نجلس الى الأعمش فنقول "في السماء غيم. يعني ه هنا من نكره."
و كان الأعمش بالأضافة الى ظرفه في الكلام ، ظريفا في المزاح العملي. روى من ذلك جرير فقال ، دعي الأعمش لعرس فنشر فروته ثم جاء فرده الحاجب. فلبس قميصا و ازرارا و جاء. فإذن له الحاجب فدخل. و جاؤا بالمائدة فبسط كمه على المائدة و قال لقميصه: " كل! فأنما انت دعيت وليس انا!" و قام و لم يأكل.
و قال وكيع بن الجراح الرواسي ، وهو من حفظة الحديث، " كنا يوما عند الأعمش فجاء رجل يسأله عن شيء. فقال: إيش معك؟ قال خوخ. فجعل يحدثه بحديث و يعطيه واحدة حتى فني. قال : ابقي شيء من الخوخ؟ قال فني يا ابا محمد. قال" قم فقد فني الحديث."
و يدلنا كا ذلك على ان الأعمش كان كالشعبي ، من الظرفاء العراقيين الذين كان الناس يقصدونهم لمجرد الاستمتاع بأحاديثهم و ما حفظوه من معارف و طرائف.