Monday, 2 February 2009

من روائع الأدب الضراطي

الضرطة الملكية

التباين(كونتراست) من اهم مشوقات الادب و الفن و احتل حيزا كبيرا في دنيا الفكاهة و السخرية و الكوميديا. انعكس ذلك في الكثير من الحكايات و الطرائف المتعلقة بالملوك و الامراء، وعلى الخصوص مما ترتب من نكات و طرائف تتعلق بالضرطة و الضراط. فما من تباين كوميدي او درامائي ابلغ من ضرطة تنفجر في حضرة الملك وهو في هيبته و وقاره. و يظهر ان ناجي الحديثي عندما كان ملحقا صحافيا في لندن. وجد نفسه في الحضرة الملكية لقصر بكنغهام بلندن و كان السكون المطلق قد ساد الجو، فالتفت الى زوجته و قال : ما اروع ان تنطلق ضرطة كبيرة في هذا المكان!
و كان الملحق الصحافي قد عبر بكلماته عن التركيبة الكوميدية للتباين. و الغريب ان الضرطة اثارت سخريات الظرفاء عند معظم الشعوب. وهي ظاهرة تتطلب بعض التفكير. لماذا تثير الضرطة كل هذا التنكيت و السخرية بين الناس؟ لنا في ادبنا و تراثنا الفولكلوري الكثير من ذلك. ذكروا ان بديع الزمان الهمذاني ضرط في حضرة الصاحب بن عباد فحاول التملص من ذلك قائلا: إنه التخت يا مولاي. فأجابه الأمير ضاحكا: " كلا بل هو التحت!" فخجل و انقطع عن زيارته حتى افتقده و بعث اليه بهذين البيتين:
قل للبديعي لا تذهب على خجل من ضرطة اشبهت نارا على عود
فإنها الريح لا تسطيع تمنعها فلست انت سليمان بن داود
ومن الحكايت الشعبية الدارجة في العراق و كنت قد سجلتها في كاسيتي" طرائف و حكايات" قصة السركال محيسن. كان جالسا في ديوان رئيس العشيرة و بين وجهائها و كبار الموظفين عندما صدرت منه ضرطة داوية. ادرك فورا انه لم يعد له اي مجال بين العشيرة فلملم عبائته و خرج و ترك المنطقة و العراق ورحل الى الهند حتى مرت سنوات طويلة و شعربالحنين لقريته واهله. قال لنفسه ، لابد ان نسي القوم تلك الضرطة الفاجعة. فركب السفينة عائدا لبلده. وصل قريته و لكنه اراد ان يتأكد اولا ان الناس قد نسوا فعلا ما فعله في ديوان الشيخ. رأى صبيا يحرث و يزرع فحاول ان يستنطقه. سأله عن اسمه فأجابه. سأله عن اهله فأجاب. ثم سأله عن عمره فقال: و الله عمي ما اعرف عمري تمام. يمكن اثنعش سنة ، يمكن خمسطعش، لكن امي تقول آني ولدت بعد خمس سنين من يوم ما محيسن ضرط بالديوان."
سمع روبرت مكسويل الحكاية في اهوار الجنوب فترجمها و رواها في كتابه الشهير " قصب في الريح". و لكن الحكاية في الواقع مشتقة من قصص الف ليلة و ليلة . وبعد ترجمتها للفرنسية ، انتحلها الانكليز فرووها عن ملكتهم اليزابث الاولى. قالوا ان احد فرسانها ضرط في حضرتها فأدرك سوء فعلته. خرج و هاجر من انكلترا . ولكنه بعد سنين عديدة شعر بما شعر به اخونا محيسن فقرر الرجوع للندن. بادر اولا لتقديم الولاء للملكة . رحبت باستقباله في البلاط و قالت له، " سير جيمس، ارجوك لا تشعر بأي قلق او خجل. لقد نسيت ضرطتك كليا."
و من ملكة الى ملكة ، مشت الضرطة الملكية فسمعتها انا عن حفيدتها على العرش ، الملكة اليزابث الثانية الحالية. قالوا انها خرجت لاستقبال احد رؤساء الجمهوريات الافريقية في زيارة رسمية الى بريطانيا . و حسب البروتوكول، جلس الضيف الافريقي بجانبها على العربة الملكية الي تجرها ستة خيول مطهمة. ما كاد الرئيس الافريقي يجلس بجانبها حتى انطلقت ضرطة عظيمة و طويلة من الحصان المربوط بالعربة ، فلم تتمالك الملكة اليزابث غير ان تعتذر للضيف فقالت: " آسفة يا حضرة الرئيس عن ذلك." فأجابها قائلا:
"و لا يهمك يا صاحبة الجلالة. فلولا ان تقولي ذلك لتصورت ان الضرطة قد جاءت من الحصان!"

1 comment:

haitham said...

أضحك الله سنك أستاذ خالد :)