Monday, 4 May 2009

هربجي كرد وعرب

كباب سليمانية


كما اجتاح الانكليز العالم بلغتهم يبدو لي ان الاكراد سيجتاحون العالم بكبابهم. بالطبع انا اتذكر جيدا كيف كنا نهرع بشوق الى مطعم كباب سليمانية في الحيدرخانة مساء كل يوم خميس. و لكنني لم اتصور قط عندئذ ان تصبح له هذه المكانة العالمية. فحيثما اسافر الآن في اوربا اجد امامي مطعما لكباب سليمانية. حتى قيل انه عندما سعى القوميون الكرد لإقامة دولة كردية مستقلة تقدموا بطلبهم للأمم المتحدة و ضمنوه دستور الدولة الجديدة و علمها. و كان علمها يقوم على خلفية خضراء يتوسطها قرص ابيض يضم شريطا جوزي اللون. سألوهم ماذ يرمز كل ذلك، فقالوا الأخضر يمثل تربة كردستان، و الابيض يمثل لبن اربيل و الشريط الجوزي يمثل كباب سليمانية.
سألوا يوما احد الفقهاء عن السعادة في الاسلام. قالوا من هو الرجل السعيد في نظرك؟ فقال انه الرجل الذي يتزوج امرأة كردية و يعيش على كباب سليمانية و لا يرى بعينيه المنطقة العربية.
طالما شغلني امر هذا الكباب. ما هو سر هذه النكهة اللذيذة في كباب سليمانية؟ فلم احصل على اي جواب. و لكن احد الزملاء العارفين قال لي ان الأكراد يحتفظون بهذا السر و لا يدلون به لأحد. عندهم وصفة مكتوبة بكامل التعليمات على جلد صخلة كردية محفوظة في احد كهوف جبل ازمر تحرسها فصيلة من مقاتلي البيش مركة الاشداء. فهذا الكباب يمثل الثروة المستقبلية لكردستان.
تجد مطاعم كباب سليمانية الآن في شتى زوايا شارع اجوير رود بلندن ، هناك مطعم السلياني قرب ماربل آرج ، و كبابخانة سرجنار شمالا ، وفي مقابلها مطعم كباب منقلة ازمر و سواها من المطاعم و الجايخانات و الكبابخانات الكردية التي عمت هذه المنطقة من قلب العاصمة البريطانية التي اصبحت تسمى الآن بعربلاند لكثرة من فيها من السكان العرب. وهذا شيء طريف، فهذه المطاعم الكردية تعيش في الواقع على المواطنين العرب و ليس الكرد. يتسائل الانسان لماذا يفضل العرب الأكل في مطاعم كردية بدلا من المطاعم العربية؟ ربما لجودة كبابها ، ربما لأنها المطاعم الوحيدة التي تقدم اكلة " الباجة" و القوزي العراقية، ربما لحسن لبنها الشنينة. لا ادري. و لكنني شخصيا افضلها على بقية المطاعم العربية لصدقها في التعامل مع زبائنها. الطباخ الكردي لا يغش في طبخه و نظافته و النادل الكردي لا يخدعك في حسابه و فاتورته. فأنا عندما اتعشى في كبابخانة سرجنار لا ادقق في الفاتورة او اراجع حسابها كما افعل في المطاعم اللبنانية لأنني اعرف ان الكردي لا يخدع الناس.
و هذا جزء جميل من الشخصية الكردية. وجدتها دائما تتميز بالصدق و الأمانة و مخافة الله. إنهم يأخذون الدين مأخذا جديا و ليس كما نأخذه نحن العرب. وهذا هو سر كل هذه النكات العنصرية ضد الكرد. فنحن معتادون على الكذب و المخادعة و نعتبرها شطارة. نفعل ذلك في سياستنا و برامجنا الحزبية ، في تعاملنا مع نسائنا و حتى في عباداتنا وطائفيتنا. و عندما نرى المواطن الكردي يتصرف بصدق نعتبره ساذجا و جاهلا و نضحك عليه كبهلول اهبل.
الصدق و الأمانة هو سر نجاح هذه المطاعم الكردية و انتشارها. لن اعجب بعد قليل ان اراها تحل محل المطاعم اللبنانية و تجتاحها في تصدرها لقوائم الأكل الشرق اوسطي الذي اصبح جزء اساسيا من حياة المجتمع الاوربي، شمالا جنوبا، شرقا و غربا. ربما لن يؤخرها عن شعبية المطاعم اللبنانية غير امتناعها عن تقديم النبيذ و المشروبات الكحولية.
تحمس كردي لقوميته الكردية فرسم خارطة لانتشار الأكراد في العالم. صبغ شمال العراق كله باللون الأخضر. أنهم الكرد في العراق. فعل مثل ذلك لغرب ايران ، ثم جنوب تركيا و شرق سوريا و جنوب اذربيجان. رقعة صغيرة خضراء اخرى في ارمينيا. رقعة اصغر منها لمخيم اللاجئين الكرد في السويد. نظر احد المشاهدين فلاحظ ايضا نقطة خضراء صغيرة في فنلاندا. فسأل صاحب الخريطة، كاكا حما شنو هذا؟ ماكو كرد في فنلاندا! فأجابه قائلا: " شلون ماكو؟ نسيت كبابخانة صديقنا كاكا حسن في هلسنكي؟!"
كلما انظر لهذه المطاعم الكردية في لندن و اراها مزدحمة بالزبائن العرب ، بالدشاديش و الاشماغ و النساء المحجبات و المقنعات ، المس هذه الحقيقة، الكرد لا يستطيعون ان يعيشوا بدون اخوانهم العرب و العرب لا يستطيعون ان يستغنوا عن كباب سليمانية.

2 comments:

Mufeed AlSalmi said...

والله يا أستاذ خالد لقد أثرت شهيتنا للطعام بمقالك اللذيذ هذا ! للأسف في دول الخليج والسعودية لا يوجد مطعم كباب كردي هناك التركي واللبناني! الأكراد شعب رائع وصادق لذلك لم يستطع إنشاء دولته مثل صديقه المنحوس الشعب الفلسطيني! تحياتي أخ خالد فمقالاتك تطوف فينا في هذا العالم الفسيح.
مفيد السالمي

Karadaghi said...

I appreciated your article, being from Sulaimanya, we are pleased to have some one other than Kurds appreciate our Kebabs. Your article is interestingly funny. Well done, keep up the good analogies in your articles coming. We will be looking for them.