شق الثياب طربا
خالد القشطيني
هذه ظاهرة عجيبة من شعوب فقيرة كشعوب الشرق الاوسط ، وهي ان يشق الناس ثيابهم عند انفعالهم. و من المعتاد للمرأة عندما يردها نبأ موت عزيز عليها ان تبادر الى شق ثوبها حتى و لو كان الثوب الوحيد الذي تملكه ، لتلطم على صدرها. هذا ما فعلته والدتي عندما لفظ والدي انفاسه الأخيرة ، رحمهما الله. و رأيت في بغداد مشهدا لن انساه: امرأة دهست و قتلت سيارة ابنتها الوحيدة فشقت ثوبها بالكامل فتعرى جسمها و كشف عن عورتها ور احت تجري هكذا كالمجنونة للمستشفى و الناس عبثا يحاولون سترها.
افهم ان يفعل ذلك منكوب و لكن العجيب اننا نفعل ذلك حتى في الأفراح و شركات الملابس الجاهزة تشجعنا عليه. انطبق ذلك بصورة خاصة على حفلات الطرب. يا و ياما سمعت عمن كانوا يشقون ثيابهم كلما ابدعت ام كلثوم في آهة من آهاتها المثيرة. و هذا هو الفرق الرئيسي بينها وبين فيروز. فكوكب لبنان تدغدغ السامع عندما تغني و نجمة النيل تجعله يشق ثيابه.
و للموضوع تراث مديد. وهو ما رواه ابراهيم الموصلي حين قال انه دخل على موسى الهادي و هو يشرب. فقال له " غنني فإن اطربتني فلك حكمك". فغنى له :
و إني لتعروني لذكراك هزة كما انتفض العصفور بلله القطر
فضرب بيده على جنب قميصه و شقه حتى انتهى الى صدره. ثم غناه:
اما و الذي ابكى و اضحك و الذي امات و احيا و الذي امره الأمر
لقد تركتني احسد الوحش ان ارى اليفين منها لا يروعهما الزجر
فعاد و شق ما بقي من قميصه حتى آخره. و المطرب لا يبالي بذلك او يعبأ به و كأنه امر طبيعي ان يشق خليفة المسلمين ثيابه طربا، فاستأنف المطرب الكبير دوره وغنى:
فيا حبها زدني جوى كل ليلة و يا سلوة الايام موعدك الحشر
فشق الهادي جبة كانت تحت قميصه حتى هتكها . و واصل ابراهيم الموصلي غناء المقطوعة الشعرية :
عجبت لسعي الدهر بيني و بينها فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
يقول الراوي ، فشق الخليفة امير المؤمنين قميصا آخر كان تحت ثيابه حتى بدا جسمه . ثم قال وهو في هذه الهيئة ، مشقوق الثياب، عاري الجسم، احسنت فاحتكم. فطلب منه عين مروان في المدينة المنورة. فقال له الخليفة تريد ان تجعلني احدوثة بين الناس و تقول اطربته فحكمني فحكمت عليه. ثم امر امين الخزانة و قال له خذه الى بيت مال الخاصة فإن اخذ كل شيء فلا تمنعه. فدخل و اخذ مالا جليلا و انصرف.
Thursday, 25 March 2010
Wednesday, 24 March 2010
العالم 23-3-10
انا و الشعر
خالد القشطيني
كمعظم الاولاد المحبين للأدب، حلمت في صباي ان اصبح شاعرا كبيرا. و لكن بدلا من الذهاب لمدرسة تعلم الأدب و الشعر ، ذهبت الى معهد الفنون الجميلة لتعلم الرسم اعتقادا مني بأن تعلم الرسم سيساعدني على اجادة الوصف في الشعر. بيد ان دخولي المعهد قلب كل تفكيري. فتح لي النافذة على الحضارة الغربية. ثم ادركت ان هذه الحضارة التي اذهلتني لا تقوم على الشعر و انما على العلم. الوداع يا عالم الشعر العربي!
لم اعد اعبأ بالشعر، و سرعان ما تطور هذا العزوف الى كره و احتقار. فالشعر يعلم الانسان على المبالغة و الأفراط في الخيال و الجنوح الى الكذب و العيش على الصدقات بدل العمل. و عندما نستعرض التاريخ، نجد انه ينمو و يزدهر دائما في المراحل الاولى البدائية من تطور المجتمع ثم يضمحل تدريجيا و يظهر العقل ثم العلم و الفلسفة. هكذا كان الأمر مع الحضارة الاغريقية. كتبوا الالياذة و الاوديسا و ظهر هومر و صافو في القرون الاولى ، ثم ظهر الادب المسرحي ، سوفوكليس و انتهوا بالعلم و الفلسفة ، سقراط و افلاطون و ارسطو، الخ. و كذا الأمر مع الادب العربي. بدأنا بالشعر الجاهلي ، امرؤ القيس و طرفة بن العبد ، الخ. و انتهينا بالفلسفة و العلم و الفكر، ابن رشد و ابن سينا و الفارابي ، الخ. و هكذا ايضا تطورت الحضارة الغربية المعاصرة، ابتداء بشوسر ومارلو و شكسبير و انتهاء بهيغل وماركس وآدم سمث و انشتاين.
نلاحظ نفس المسيرة في حياة الفرد. فعند الطفولة ، نطرب لترانيم الامومة ، لا معنى لكلماتها و لكنها تهزنا بأيقاعها و قوافيها. و عندما نكبر نبدأ بالتفكير فيما نسمع وما تحمله الكلمات من معان.
نظم الشعر و الهيام بالشعر مظهر من مظاهر التخلف و البدائية قلما ينسجم مع العقلانية والروح العلمية. و كثيرا ما افكر بهذا السوآل: هل ان تعلقنا بالشعر و حماسنا له من مظاهر تخلفنا و جهالتنا او انه من اسباب تخلفنا و فشلنا، يعلمنا على ان نقول ما لا نفعل. و نشعر و لا نفكر؟ اصبحنا ننظر للشعر كشيء مقدس. ولا اشك في ان الكثير من الناس سيغتاضون مما قلته هنا. فقبل سنوات كتبت مقالة طويلة في هذا الموضوع. رفضت سائر المجلات و الجرائد نشرها. لم اواجه رقابة شديدة كما وجدت بشأن تلك المقالة. و سأسجلها كمكرمة من هذه الصحيفة اذا نشرت هذه المقالة. فقد وصل الشعر مكانة مقدسة عندنا لا يمكن التعرض لها. تعرض البعض حتى للقرآن الكريم و لكن لا احد يجرؤ عى التعرض للشعر. و اتفهم ذلك ، فهو العزاء الوحيد و الملاذ الوحيد، بعد الدين، الذي يعطينا بلسما لجروحنا و مخلصا من مشاكلنا.
زاد من موقفي السلبي هذا اختلاطي بالشعراء. وجدتهم يميلون الى الانانية و الذاتية و الغرور و الكذب و المبالغة و الانتهازية. لم اتخذ اي شاعر صديقا حميما لي.
خالد القشطيني
كمعظم الاولاد المحبين للأدب، حلمت في صباي ان اصبح شاعرا كبيرا. و لكن بدلا من الذهاب لمدرسة تعلم الأدب و الشعر ، ذهبت الى معهد الفنون الجميلة لتعلم الرسم اعتقادا مني بأن تعلم الرسم سيساعدني على اجادة الوصف في الشعر. بيد ان دخولي المعهد قلب كل تفكيري. فتح لي النافذة على الحضارة الغربية. ثم ادركت ان هذه الحضارة التي اذهلتني لا تقوم على الشعر و انما على العلم. الوداع يا عالم الشعر العربي!
لم اعد اعبأ بالشعر، و سرعان ما تطور هذا العزوف الى كره و احتقار. فالشعر يعلم الانسان على المبالغة و الأفراط في الخيال و الجنوح الى الكذب و العيش على الصدقات بدل العمل. و عندما نستعرض التاريخ، نجد انه ينمو و يزدهر دائما في المراحل الاولى البدائية من تطور المجتمع ثم يضمحل تدريجيا و يظهر العقل ثم العلم و الفلسفة. هكذا كان الأمر مع الحضارة الاغريقية. كتبوا الالياذة و الاوديسا و ظهر هومر و صافو في القرون الاولى ، ثم ظهر الادب المسرحي ، سوفوكليس و انتهوا بالعلم و الفلسفة ، سقراط و افلاطون و ارسطو، الخ. و كذا الأمر مع الادب العربي. بدأنا بالشعر الجاهلي ، امرؤ القيس و طرفة بن العبد ، الخ. و انتهينا بالفلسفة و العلم و الفكر، ابن رشد و ابن سينا و الفارابي ، الخ. و هكذا ايضا تطورت الحضارة الغربية المعاصرة، ابتداء بشوسر ومارلو و شكسبير و انتهاء بهيغل وماركس وآدم سمث و انشتاين.
نلاحظ نفس المسيرة في حياة الفرد. فعند الطفولة ، نطرب لترانيم الامومة ، لا معنى لكلماتها و لكنها تهزنا بأيقاعها و قوافيها. و عندما نكبر نبدأ بالتفكير فيما نسمع وما تحمله الكلمات من معان.
نظم الشعر و الهيام بالشعر مظهر من مظاهر التخلف و البدائية قلما ينسجم مع العقلانية والروح العلمية. و كثيرا ما افكر بهذا السوآل: هل ان تعلقنا بالشعر و حماسنا له من مظاهر تخلفنا و جهالتنا او انه من اسباب تخلفنا و فشلنا، يعلمنا على ان نقول ما لا نفعل. و نشعر و لا نفكر؟ اصبحنا ننظر للشعر كشيء مقدس. ولا اشك في ان الكثير من الناس سيغتاضون مما قلته هنا. فقبل سنوات كتبت مقالة طويلة في هذا الموضوع. رفضت سائر المجلات و الجرائد نشرها. لم اواجه رقابة شديدة كما وجدت بشأن تلك المقالة. و سأسجلها كمكرمة من هذه الصحيفة اذا نشرت هذه المقالة. فقد وصل الشعر مكانة مقدسة عندنا لا يمكن التعرض لها. تعرض البعض حتى للقرآن الكريم و لكن لا احد يجرؤ عى التعرض للشعر. و اتفهم ذلك ، فهو العزاء الوحيد و الملاذ الوحيد، بعد الدين، الذي يعطينا بلسما لجروحنا و مخلصا من مشاكلنا.
زاد من موقفي السلبي هذا اختلاطي بالشعراء. وجدتهم يميلون الى الانانية و الذاتية و الغرور و الكذب و المبالغة و الانتهازية. لم اتخذ اي شاعر صديقا حميما لي.
العالم 22-3-10
من ايام الخير ايضا
خالد القشطيني
روى لي صديقي عبد المنعم الخطيب انه كان يعمل في السفارة العراقية في القاهرة في اسوء مرحلة من مراحل العلاقات بين المملكة العراقية و مصر التي كانت تؤيدها و تمدها بالمال المملكة العربية السعودية في عهد عبد الناصر. وردته برقية من بغداد بأن الصحافي الفلسطيني اسعد داغر كان يشن حملة شنيعة ضد العراق في مقالاته بينما كان يعمل موظفا في الجامعة العربية. طلبوا من السفير نجيب الروي الاتصال بعبد الرحمن عزام ، الامين العام للجامعة العربية، أن ينذر اسعد داغر ، إما ان يلتزم بوظيفته في الجامعة فلا يهاجم دولة عضوة فيها، او ان يستقيل منها و يكتب ما يشاء.
اتصلوا بعزام و اتصل هذا بأسعد داغر ثم جاءهم الجواب باعتذاره عما كتب و تعهده بأن لا يكرر ذلك. وقرر الأمين العام بأن يقيم مأدبة كبيرة بالمناسبة يقدم فيها الصحافي الفلسطيني اعتذاره شخصيا لنجيب الراوي. اجابه هذا فقال كلا، بل اقيم انا مأدبة الصلح في بيتي. وهو ما تم الاتفاق عليه.
حضر اسعد داغر و تكلم مع الدبلوماسيين العراقيين ، هذي كانت غلطة و اواعدكم بانها ما
ح تتكررش. و نحن نعتز بالعراق ...الى آخره. انتهت الحفلة و نادى السفير على السائق بأن يوصل الاستاذ اسعد الى بيته. ثم اصطحبه صديقنا عبد المنعم الى السيارة و لكنه قبل ركوبه سلمه المظروف الذي احتوى على بضعة آلاف جنيه. " لا و الله يا سعادة الاستاذ ، مش لازم. اللي حصل ما ح يتكررش . انا اصلي وعدتكم .العراق حبيبنا ..."
اسرع عبد المنعم الى مكتب السفارة بأمر السفير و ابرق الى بغداد أن الموضوع جرت تسويته بالصورة المرضية و لن يعود هذا الصحافي الى مهاجمة العراق. و آوى نجيب الراوي الى مخدعه و نام بسلام. و عند الصباح ، نهض و القى نظرة سريعة على صحيفة الآهرام و اذا بها تحمل مقالة بقلم اسعد داغر بعنوان " نحن في الحق لا نخشى لومة لائم". مكرسة كليا لشتم العراق بأفضع العبارات.
اسقط بيد السفير بعد كل ذلك التقرير الذي ارسله الى بغداد. نادى على عبد المنعم الخطيب. " " ابني عبد المنعم، انت سلمت المظروف لأسعد داغر؟"
" نعم استاذ و اخذه قبل ما يركب السيارة."
أمر عجيب! كيف دبر هذه المقالة بعد ساعات قليلة و نشرها في اليوم التالي؟ نادوا على سائق السيارة و سألوه. ماذا فعل و اين ذهب بالضيف بعد خروجه من الوليمة؟ الم تذهب به الى بيته؟ كلا. لقد طلب منه ان يعرج اولا الى بيت السفير السعودي. و هناك مكث بضع دقائق قبل ان يخرج ويطلب منه توصيله الى مكاتب جريدة الاهرام حيث نزل و صرفه .
نظر نجيب الراوي في وجه عبد المنعم متسائلا.
" لازم استلم من السفير السعودي مظروف اسمن من مظروفنا. "
خالد القشطيني
روى لي صديقي عبد المنعم الخطيب انه كان يعمل في السفارة العراقية في القاهرة في اسوء مرحلة من مراحل العلاقات بين المملكة العراقية و مصر التي كانت تؤيدها و تمدها بالمال المملكة العربية السعودية في عهد عبد الناصر. وردته برقية من بغداد بأن الصحافي الفلسطيني اسعد داغر كان يشن حملة شنيعة ضد العراق في مقالاته بينما كان يعمل موظفا في الجامعة العربية. طلبوا من السفير نجيب الروي الاتصال بعبد الرحمن عزام ، الامين العام للجامعة العربية، أن ينذر اسعد داغر ، إما ان يلتزم بوظيفته في الجامعة فلا يهاجم دولة عضوة فيها، او ان يستقيل منها و يكتب ما يشاء.
اتصلوا بعزام و اتصل هذا بأسعد داغر ثم جاءهم الجواب باعتذاره عما كتب و تعهده بأن لا يكرر ذلك. وقرر الأمين العام بأن يقيم مأدبة كبيرة بالمناسبة يقدم فيها الصحافي الفلسطيني اعتذاره شخصيا لنجيب الراوي. اجابه هذا فقال كلا، بل اقيم انا مأدبة الصلح في بيتي. وهو ما تم الاتفاق عليه.
حضر اسعد داغر و تكلم مع الدبلوماسيين العراقيين ، هذي كانت غلطة و اواعدكم بانها ما
ح تتكررش. و نحن نعتز بالعراق ...الى آخره. انتهت الحفلة و نادى السفير على السائق بأن يوصل الاستاذ اسعد الى بيته. ثم اصطحبه صديقنا عبد المنعم الى السيارة و لكنه قبل ركوبه سلمه المظروف الذي احتوى على بضعة آلاف جنيه. " لا و الله يا سعادة الاستاذ ، مش لازم. اللي حصل ما ح يتكررش . انا اصلي وعدتكم .العراق حبيبنا ..."
اسرع عبد المنعم الى مكتب السفارة بأمر السفير و ابرق الى بغداد أن الموضوع جرت تسويته بالصورة المرضية و لن يعود هذا الصحافي الى مهاجمة العراق. و آوى نجيب الراوي الى مخدعه و نام بسلام. و عند الصباح ، نهض و القى نظرة سريعة على صحيفة الآهرام و اذا بها تحمل مقالة بقلم اسعد داغر بعنوان " نحن في الحق لا نخشى لومة لائم". مكرسة كليا لشتم العراق بأفضع العبارات.
اسقط بيد السفير بعد كل ذلك التقرير الذي ارسله الى بغداد. نادى على عبد المنعم الخطيب. " " ابني عبد المنعم، انت سلمت المظروف لأسعد داغر؟"
" نعم استاذ و اخذه قبل ما يركب السيارة."
أمر عجيب! كيف دبر هذه المقالة بعد ساعات قليلة و نشرها في اليوم التالي؟ نادوا على سائق السيارة و سألوه. ماذا فعل و اين ذهب بالضيف بعد خروجه من الوليمة؟ الم تذهب به الى بيته؟ كلا. لقد طلب منه ان يعرج اولا الى بيت السفير السعودي. و هناك مكث بضع دقائق قبل ان يخرج ويطلب منه توصيله الى مكاتب جريدة الاهرام حيث نزل و صرفه .
نظر نجيب الراوي في وجه عبد المنعم متسائلا.
" لازم استلم من السفير السعودي مظروف اسمن من مظروفنا. "
صوت العراق الحر 23-3-10
شيخ و انعم به من شيخ
( كثيرا ما وصف المراقبون و المعلقون الاجانب الجمهورية العراقية كقطعة من الموزائيك. تألفت الوانه و اشكاله من الطوائف الدينية و المجموعات القومية و الاثنية. يرى المتشائمون ان ذلك ما يربك حياته السياسية و الدينية. و لكن الآخرين يرون ان جمال و روعة الموزائيك تتجلى في هذا التركيب من الالوان و الاشكال )
في هذه الايام التي اخذت فيها الطائفية تبرز انيابها في العراق ، علينا ان نتذكر ان هذا البلد كان آخر من يترشح للمنازعات الدينية و الطائفية . هذا ما كتبته قبل سنوات عندما قلت ان الحرب الاهلية لن تجد لها مكانا بين العراقيين. فرغم كل ما عندهم من تعدد في المذاهب و القوميات، فإنهم لم يتركوا أي فرصة لهذه الفروق ان تسمم علاقاتهم. الاكراد سكنوا بين العرب و العرب سكنوا بين الاكراد و التركمان ، السني يتزوج شيعية و الشيعي يتزوج بسنية. الحنفي لا ينزعج اذا رأى زوجته الجعفرية تربي اولاده كجعفرية و الجعفري لا يثور اذا رأى اولاده ينشأون كسنة. و هكذا كانوا يتداعبون وينكتون على بعضهم البعض و لكنهم لم يسمحوا لهذه الفوارق ان تتحول الى معارك و مجازر.
إن مما ينساه الكثيرون ان بغداد كانت عاصمة الامبراطورية الاسلامية لعدة قرون، تلك الامبراطورية التي ضمت شتى الطوائف و القوميات. و كعاصمة لهم جميعا، كان عليها ان تظهرمن التسامح و روح التعايش ما تقتضيه هذه الامبراطورية الواسعة و تجعل كل واحد من ابنائها يشعر بانتمائه اليها ويدعو بالخير لرئيسها الخليفة العباسي امير المؤمنين. ورث العراقيون هذه الروح. و بعد ان اقيمت المملكة العراقية في العصر الحديث اخذ الجميع يسعون الى تعميق هذه الروح السمحة و ازالة ما بقي من حزازات التفرقة.و هكذا تولى رجال من ابناء الشيعة كمحمد الصدر و صالح جبر و محمد فاضل الجمالي رآسة الحكومة و أأتمر بهم وزراؤهم السنة، و تولى رجال من اهل السنة كنوري السعيد و جميل المدفعي وياسين الهاشمي رآسة الحكومة دون ان يجد وزراؤهم الشيعة كصادق البصام و صالح جبر أي ضير في تنفيذ اوامرهم .هكذا كان الحال في ايام الخير.
بعين الوقت كان الكثير من ابناء السنة يمثلون منطقة شيعية في مجلس النواب، او اشخاص من ابناء الشيعة يمثلون منطقة اكثريتها من ابناء السنة. بل و كان كثير من المسلمين يجدون نائبا مسيحيا او يهوديا يمثلهم في البرلمان. مثلما كان المسيحيون و اليهود يجدون سياسيا مسلما يمثلهم عن منطقتهم. كانت كما قلنا ، و قولوا معنا ، ايام خير و قلما اعار الناس هذه الفوارق اهمية في حياتهم العامة.
من امثلة ذلكان الشيخ محروث الهذال ، شيخ مشايخ عشيرة العنزة، كان يمثل مدينة كربلاء في مجلس النواب. و المعروف ان عشيرة العنزة الضاربة الارجاء و الممتدة عميقا في صحاري نجد في المملكة العربية السعودية كانت من القبائل السنية القحة. كثيرا ما كانت سيارته البيوك تختال بين العاصمة العراقية و مدينة كربلاء و تحمل رقم اللواء على لوحتها التي لا تنسى " واحد كربلاء".
لم يعبأ احد فيما اذا كان الشيخ ابن هذال سنيا او شيعيا. يكفي انه كان مسلما يؤمن بالله و رسوله، و خلص. الحقيقة هي انه كان من الآداب الحميدة في المجتمع العراقي الا يسأل الانسان صاحبه عن مذهبه. كنا نعتبر ذلك عيبا و سوء ادب. و لكن مع ذلك ، فقد التفت صادق البصام ، الذي كان يشغل منصبا وزاريا عندئذ الى ظاهرة تولي رجل من قبيلة عنزة السنية تمثيل لواء كربلاء في المجلس.انتهزفرصة زيارة الشيخ لمكتبه في مسألة تتعلق بأحوال مدينة كربلاء فسأله قائلا، " شيخنا اريد اسألك هالسوآل البسيط ، اذا ما عندك مانع. حضرتك شيخ العنيزيين ، و لكنك تمثل مدينة كربلاء. قل لي شيخنا ، انت حقيقة سني او شيعي؟"
نظر اليه الشيخ محروث الهذال ثم لوح بيده و قال:" يا خسا الأثنين و يعيش الله." أي يخسأ من ينظر من الزاويتين الطائفيتين و الحق للأسلام و الله وحده. و كان جوابا حكيما جديرا بمن يترأس قبيلة عتيدة الشأن و التاريخ و المكانة. و ما احوجنا الآن لمثلها من الحكمة و سعة الصدر.
و كان الشيخ ابن هذال واحدا من اهل الخير في تلك الايام التي اجتمعت فيها كلمة العراقيين على خير العراق و تقدمه. راح الشيخ محروث الهذال ، وراح صادق البصام و راحت ، يا وسفة ، ايامهم ، ايام الخير اللي فاتت وياهم ، ويا كل اهل الخير.
( كثيرا ما وصف المراقبون و المعلقون الاجانب الجمهورية العراقية كقطعة من الموزائيك. تألفت الوانه و اشكاله من الطوائف الدينية و المجموعات القومية و الاثنية. يرى المتشائمون ان ذلك ما يربك حياته السياسية و الدينية. و لكن الآخرين يرون ان جمال و روعة الموزائيك تتجلى في هذا التركيب من الالوان و الاشكال )
في هذه الايام التي اخذت فيها الطائفية تبرز انيابها في العراق ، علينا ان نتذكر ان هذا البلد كان آخر من يترشح للمنازعات الدينية و الطائفية . هذا ما كتبته قبل سنوات عندما قلت ان الحرب الاهلية لن تجد لها مكانا بين العراقيين. فرغم كل ما عندهم من تعدد في المذاهب و القوميات، فإنهم لم يتركوا أي فرصة لهذه الفروق ان تسمم علاقاتهم. الاكراد سكنوا بين العرب و العرب سكنوا بين الاكراد و التركمان ، السني يتزوج شيعية و الشيعي يتزوج بسنية. الحنفي لا ينزعج اذا رأى زوجته الجعفرية تربي اولاده كجعفرية و الجعفري لا يثور اذا رأى اولاده ينشأون كسنة. و هكذا كانوا يتداعبون وينكتون على بعضهم البعض و لكنهم لم يسمحوا لهذه الفوارق ان تتحول الى معارك و مجازر.
إن مما ينساه الكثيرون ان بغداد كانت عاصمة الامبراطورية الاسلامية لعدة قرون، تلك الامبراطورية التي ضمت شتى الطوائف و القوميات. و كعاصمة لهم جميعا، كان عليها ان تظهرمن التسامح و روح التعايش ما تقتضيه هذه الامبراطورية الواسعة و تجعل كل واحد من ابنائها يشعر بانتمائه اليها ويدعو بالخير لرئيسها الخليفة العباسي امير المؤمنين. ورث العراقيون هذه الروح. و بعد ان اقيمت المملكة العراقية في العصر الحديث اخذ الجميع يسعون الى تعميق هذه الروح السمحة و ازالة ما بقي من حزازات التفرقة.و هكذا تولى رجال من ابناء الشيعة كمحمد الصدر و صالح جبر و محمد فاضل الجمالي رآسة الحكومة و أأتمر بهم وزراؤهم السنة، و تولى رجال من اهل السنة كنوري السعيد و جميل المدفعي وياسين الهاشمي رآسة الحكومة دون ان يجد وزراؤهم الشيعة كصادق البصام و صالح جبر أي ضير في تنفيذ اوامرهم .هكذا كان الحال في ايام الخير.
بعين الوقت كان الكثير من ابناء السنة يمثلون منطقة شيعية في مجلس النواب، او اشخاص من ابناء الشيعة يمثلون منطقة اكثريتها من ابناء السنة. بل و كان كثير من المسلمين يجدون نائبا مسيحيا او يهوديا يمثلهم في البرلمان. مثلما كان المسيحيون و اليهود يجدون سياسيا مسلما يمثلهم عن منطقتهم. كانت كما قلنا ، و قولوا معنا ، ايام خير و قلما اعار الناس هذه الفوارق اهمية في حياتهم العامة.
من امثلة ذلكان الشيخ محروث الهذال ، شيخ مشايخ عشيرة العنزة، كان يمثل مدينة كربلاء في مجلس النواب. و المعروف ان عشيرة العنزة الضاربة الارجاء و الممتدة عميقا في صحاري نجد في المملكة العربية السعودية كانت من القبائل السنية القحة. كثيرا ما كانت سيارته البيوك تختال بين العاصمة العراقية و مدينة كربلاء و تحمل رقم اللواء على لوحتها التي لا تنسى " واحد كربلاء".
لم يعبأ احد فيما اذا كان الشيخ ابن هذال سنيا او شيعيا. يكفي انه كان مسلما يؤمن بالله و رسوله، و خلص. الحقيقة هي انه كان من الآداب الحميدة في المجتمع العراقي الا يسأل الانسان صاحبه عن مذهبه. كنا نعتبر ذلك عيبا و سوء ادب. و لكن مع ذلك ، فقد التفت صادق البصام ، الذي كان يشغل منصبا وزاريا عندئذ الى ظاهرة تولي رجل من قبيلة عنزة السنية تمثيل لواء كربلاء في المجلس.انتهزفرصة زيارة الشيخ لمكتبه في مسألة تتعلق بأحوال مدينة كربلاء فسأله قائلا، " شيخنا اريد اسألك هالسوآل البسيط ، اذا ما عندك مانع. حضرتك شيخ العنيزيين ، و لكنك تمثل مدينة كربلاء. قل لي شيخنا ، انت حقيقة سني او شيعي؟"
نظر اليه الشيخ محروث الهذال ثم لوح بيده و قال:" يا خسا الأثنين و يعيش الله." أي يخسأ من ينظر من الزاويتين الطائفيتين و الحق للأسلام و الله وحده. و كان جوابا حكيما جديرا بمن يترأس قبيلة عتيدة الشأن و التاريخ و المكانة. و ما احوجنا الآن لمثلها من الحكمة و سعة الصدر.
و كان الشيخ ابن هذال واحدا من اهل الخير في تلك الايام التي اجتمعت فيها كلمة العراقيين على خير العراق و تقدمه. راح الشيخ محروث الهذال ، وراح صادق البصام و راحت ، يا وسفة ، ايامهم ، ايام الخير اللي فاتت وياهم ، ويا كل اهل الخير.
Monday, 22 March 2010
العالم 22-3-10
الحمام و الاقتصاد الوطني
خالد القشطيني
كلما واجه الغربيون ازمة طاقة القوا با للوم على الحمام. فالبانيو في الحمام الغربي يتطلب الكثير من الماء الساخن و الذي يستهلك في تسخينه كثيرا من الوقود. عانوا من ذلك اثناء الحرب و لكن الأزمة استمرت في بريطانيا حين كان هيو غيتسكل وزيرا للطاقة و الوقود فقاد حملة لتخفيض استهلاك الوقود بنسبة عشرة بالمائة. و كان اول ما خطر له الحد من استعمال الحمامات. فراح يطوف البلاد يخطب و يعظ الجمهور بتقليل الغسل ، وهو شيء عجيب من وزير يفترض فيه حث الناس على النظافة. لسوء حظ غيتسكل انه كان قليل الاطلاع عى الاسلام و الا لطلب فتوى من المرجعية بحث الناس على التيمم.
الحكومات عندهم تختلف عن حكوماتنا. فالجمهور عندهم ينتظر من الوزراء و المسؤولين ان يبدأو بأنفسهم و يعطوا قدوة للآخرين. و هكذا اضطر غيتسكل ان يصارح الناس فيقول: " انا شخصيا لم آخذ حمامات كثيرة في حياتي مطلقا. و استطيع ان اؤكد لمن اعتاد على الاستحمام الكثير بأن قلة الاستحمام لا يؤثر كثيرا على الصحة. و بقدر ما يتعلق الأمر بالمظهر فلا احد يرى ما هو تحت ثيابك."
و بالطبع مسك خصومه المحافظون بذلك و راحوا يشهرون به بأن يشجع الشعب على القذارة. و راحوا ينعتونه بالوزير الوسخ. انبرى تشرشل في البرلمان فقال: عندما يتفوه وزراء صاحب الجلالة بمثل هذا الكلام ، فلا ينبغي لهم ان يتعجبوا اذا ما لاحظوا ان روائحهم الكريهة اخذت تزداد من يوم الى يوم. و اتسائل يا سيدي رئيس الجلسة اذا كان من الجائز الآن ان نستعمل كلمة " جيفة" كأصطلاح برلماني ، في الاشارة لهذه الحكومة الحاضرة."
و بعد ان القى الزعيم العمالي نفسه في هذا المأزق ، لم يجد اصحابه و ذووه غير ان يهبوا لنجدته فتطوعت خادمته و زوجته بأن ما قاله غير صحيح ، و انه يأخذ حماما كل يوم. فانطلقت ضجة جديدة ضده بأنه كان يكذب فيما يقول. و الكذب في بريطانيا اسوء بكثير من الوساخة .
عادت الحمامات لتشغل بال الحكومة البريطانية في عهد ادوارد هيث عندما واجهت ازمة وقود مشابهة و اضطرت مرة اخرى الى مناشدة الجمهور بالأقتصاد في استعمال الحمام. لم يعيدوا غلطة هيو غيتسكل و لكنهم وزعوا ملصقات لرجل و امرأة في البانيو فوق كلمات تقول: " خذ امرأة معك في البانيو!" الفكرة هي ان وجود جسمين في البانيو بدلا من جسم واحد يقلل من كمية الماء الساخن المطلوب لملآ البانيو. و ربما يجد الرجل في المرأة من الحرارة ما يغنيه عن سخونة الماء. و لكن خصوم الحكومة اعطوا النداء تعليلا آخر. انه يشجع على الاباحية والتفسخ الاخلاقي. و لكن المسكين ادوارد هيث الذي لم يتزوج و لم يعرف المرأة و مطباتها في حياته وقع في فخ من حيث لا يعرف. و كله بسبب الحمامات الملعونة
خالد القشطيني
كلما واجه الغربيون ازمة طاقة القوا با للوم على الحمام. فالبانيو في الحمام الغربي يتطلب الكثير من الماء الساخن و الذي يستهلك في تسخينه كثيرا من الوقود. عانوا من ذلك اثناء الحرب و لكن الأزمة استمرت في بريطانيا حين كان هيو غيتسكل وزيرا للطاقة و الوقود فقاد حملة لتخفيض استهلاك الوقود بنسبة عشرة بالمائة. و كان اول ما خطر له الحد من استعمال الحمامات. فراح يطوف البلاد يخطب و يعظ الجمهور بتقليل الغسل ، وهو شيء عجيب من وزير يفترض فيه حث الناس على النظافة. لسوء حظ غيتسكل انه كان قليل الاطلاع عى الاسلام و الا لطلب فتوى من المرجعية بحث الناس على التيمم.
الحكومات عندهم تختلف عن حكوماتنا. فالجمهور عندهم ينتظر من الوزراء و المسؤولين ان يبدأو بأنفسهم و يعطوا قدوة للآخرين. و هكذا اضطر غيتسكل ان يصارح الناس فيقول: " انا شخصيا لم آخذ حمامات كثيرة في حياتي مطلقا. و استطيع ان اؤكد لمن اعتاد على الاستحمام الكثير بأن قلة الاستحمام لا يؤثر كثيرا على الصحة. و بقدر ما يتعلق الأمر بالمظهر فلا احد يرى ما هو تحت ثيابك."
و بالطبع مسك خصومه المحافظون بذلك و راحوا يشهرون به بأن يشجع الشعب على القذارة. و راحوا ينعتونه بالوزير الوسخ. انبرى تشرشل في البرلمان فقال: عندما يتفوه وزراء صاحب الجلالة بمثل هذا الكلام ، فلا ينبغي لهم ان يتعجبوا اذا ما لاحظوا ان روائحهم الكريهة اخذت تزداد من يوم الى يوم. و اتسائل يا سيدي رئيس الجلسة اذا كان من الجائز الآن ان نستعمل كلمة " جيفة" كأصطلاح برلماني ، في الاشارة لهذه الحكومة الحاضرة."
و بعد ان القى الزعيم العمالي نفسه في هذا المأزق ، لم يجد اصحابه و ذووه غير ان يهبوا لنجدته فتطوعت خادمته و زوجته بأن ما قاله غير صحيح ، و انه يأخذ حماما كل يوم. فانطلقت ضجة جديدة ضده بأنه كان يكذب فيما يقول. و الكذب في بريطانيا اسوء بكثير من الوساخة .
عادت الحمامات لتشغل بال الحكومة البريطانية في عهد ادوارد هيث عندما واجهت ازمة وقود مشابهة و اضطرت مرة اخرى الى مناشدة الجمهور بالأقتصاد في استعمال الحمام. لم يعيدوا غلطة هيو غيتسكل و لكنهم وزعوا ملصقات لرجل و امرأة في البانيو فوق كلمات تقول: " خذ امرأة معك في البانيو!" الفكرة هي ان وجود جسمين في البانيو بدلا من جسم واحد يقلل من كمية الماء الساخن المطلوب لملآ البانيو. و ربما يجد الرجل في المرأة من الحرارة ما يغنيه عن سخونة الماء. و لكن خصوم الحكومة اعطوا النداء تعليلا آخر. انه يشجع على الاباحية والتفسخ الاخلاقي. و لكن المسكين ادوارد هيث الذي لم يتزوج و لم يعرف المرأة و مطباتها في حياته وقع في فخ من حيث لا يعرف. و كله بسبب الحمامات الملعونة
Sunday, 21 March 2010
الشرق الأوسط 22-3-10
خيانة لقلقية
خالد القشطيني
تناولت في مقالتي السابقة موضوع الحب بين الطيور و الاخلاص الزوجي بينها. كذا عرفت عن معشر اللقالق. بيد انها تخرج احيانا عن طورها هذا فتسلك سلوك بني آدم في الخيانة . كان منها هذه الحكاية الغريبة التي روتها لي اولغا جويدة زميلتي في الاذاعة البريطانية. شهدت احداثها في قضاء عقرة عندما كان والدها قائمقاما فيها.
كانت امامهم شجرة توت وافرة، بنى زوج من اللقالق عشهما فيها. اعتادت على حمل الطعام لهما ، كل ما زاد من فضلات الرز و الباميا ونحوها مما يأكله العراقيون . تضعه تحت الشجرة فتنزل اللقلقة الانثى و تأكل ثم يتبعها الذكر و يأكل مما تبقى. قالت اولغا ، ادركت اول مرة ان الطيور تتميز على البشر في منطقتنا في تقديم الانثى على الذكر. قلت لها هل تعلمين السر؟ قالت لا. قلت لها لأن اللقالق لم تتربى عندنا. انها ولدت و نشأت في بلاد القفقاس و تعلمت على مكارم الفروسية هناك.
مضت الزميلة في حكايتها فقالت، مرت ايام و لاحظت غياب اللقلقة عن الشجرة. اصبح اللقلق يقوم بكل حضانة البيض بنفسه و بدون انثى تتناوب و اياه في اداء الواجب. ينزل من الشجرة و يلتهم كل ما تركته له اولغا و يعود مسرعا الى العش قبل ان يبرد البيض. لاح لها وقد بدا الحزن و الاكتئاب عليه و اخذ يفتقد شريكة حياته و شهيته للطعام.
تحير القوم في امر الانثى. ما الذي حصل له؟ هل قتلها احد، مما هو شائع في البلاد، طمعا بريشها؟ تطوع الناس لجلب الاكل لهذا الفحل من امة اللقالق في محنته الفريدة. مرت ايام و اذا بأولغا تشهد من نافذة غرفتها طيرا صغيرا ابيض يلوح من وراء الأفق. اقترب شيئا فشيئا و اذا به تلك الانثى القديمة تعود الى الشجرة. و لكنها دخلت فورا في معركة ضارية مع زوجها اللقلق تحاول ان تطرده من بيتها. و تعالى صياحهما بحيث جعل جمهور القرية يتركون اعمالهم و يخفون لمشاهدة هذه المعركة اللقلقية بين انثى و ذكر. و لكن اللقلق الفحل قاتل بجلادة و استطاع ان يحمي عشه و يطردها من الشجرة. و عادت من حيث جاءت.
مرت ايام ثم رأت اولغا سربا من اللقالق يتقدم من بعيد حتى اذا اقترب من الشجرة انبرت الانثى القديمة من بينها لتقود هجوما شنيعا على زوجها الذي قاتل ببسالة دفاعا عن عشه وفراخه. و لكن العدد تغلب على العدة . سقط اللقلق ميتا و الدم القاني يضمخ ريشه الابيض . و تبعته افراخه موتى واحدا بعد الآخر و استولت الانثى على العش مع عشيقها الجديد.
حضر العقراويون بفؤوسهم و حفروا قبرا مناسبا للقلق الشهيد . و تلى قس من الكنيسة الكلدانية صلاة على روحه و ارواح فراخه قبل دفنهم . ثم هجموا على الزوجة الخائنة و هجروها و هدموا العش القديم.
قصة عجيبة. لو روتها لي اولغا في هذه الأيام لما صدقتها . و لكنني سمعتها منها في ايام غابرة عندما كان الناس في العراق لم يتعلموا على الكذب الذي تعلموا عليه في هذه الايام من زعمائهم.
خالد القشطيني
تناولت في مقالتي السابقة موضوع الحب بين الطيور و الاخلاص الزوجي بينها. كذا عرفت عن معشر اللقالق. بيد انها تخرج احيانا عن طورها هذا فتسلك سلوك بني آدم في الخيانة . كان منها هذه الحكاية الغريبة التي روتها لي اولغا جويدة زميلتي في الاذاعة البريطانية. شهدت احداثها في قضاء عقرة عندما كان والدها قائمقاما فيها.
كانت امامهم شجرة توت وافرة، بنى زوج من اللقالق عشهما فيها. اعتادت على حمل الطعام لهما ، كل ما زاد من فضلات الرز و الباميا ونحوها مما يأكله العراقيون . تضعه تحت الشجرة فتنزل اللقلقة الانثى و تأكل ثم يتبعها الذكر و يأكل مما تبقى. قالت اولغا ، ادركت اول مرة ان الطيور تتميز على البشر في منطقتنا في تقديم الانثى على الذكر. قلت لها هل تعلمين السر؟ قالت لا. قلت لها لأن اللقالق لم تتربى عندنا. انها ولدت و نشأت في بلاد القفقاس و تعلمت على مكارم الفروسية هناك.
مضت الزميلة في حكايتها فقالت، مرت ايام و لاحظت غياب اللقلقة عن الشجرة. اصبح اللقلق يقوم بكل حضانة البيض بنفسه و بدون انثى تتناوب و اياه في اداء الواجب. ينزل من الشجرة و يلتهم كل ما تركته له اولغا و يعود مسرعا الى العش قبل ان يبرد البيض. لاح لها وقد بدا الحزن و الاكتئاب عليه و اخذ يفتقد شريكة حياته و شهيته للطعام.
تحير القوم في امر الانثى. ما الذي حصل له؟ هل قتلها احد، مما هو شائع في البلاد، طمعا بريشها؟ تطوع الناس لجلب الاكل لهذا الفحل من امة اللقالق في محنته الفريدة. مرت ايام و اذا بأولغا تشهد من نافذة غرفتها طيرا صغيرا ابيض يلوح من وراء الأفق. اقترب شيئا فشيئا و اذا به تلك الانثى القديمة تعود الى الشجرة. و لكنها دخلت فورا في معركة ضارية مع زوجها اللقلق تحاول ان تطرده من بيتها. و تعالى صياحهما بحيث جعل جمهور القرية يتركون اعمالهم و يخفون لمشاهدة هذه المعركة اللقلقية بين انثى و ذكر. و لكن اللقلق الفحل قاتل بجلادة و استطاع ان يحمي عشه و يطردها من الشجرة. و عادت من حيث جاءت.
مرت ايام ثم رأت اولغا سربا من اللقالق يتقدم من بعيد حتى اذا اقترب من الشجرة انبرت الانثى القديمة من بينها لتقود هجوما شنيعا على زوجها الذي قاتل ببسالة دفاعا عن عشه وفراخه. و لكن العدد تغلب على العدة . سقط اللقلق ميتا و الدم القاني يضمخ ريشه الابيض . و تبعته افراخه موتى واحدا بعد الآخر و استولت الانثى على العش مع عشيقها الجديد.
حضر العقراويون بفؤوسهم و حفروا قبرا مناسبا للقلق الشهيد . و تلى قس من الكنيسة الكلدانية صلاة على روحه و ارواح فراخه قبل دفنهم . ثم هجموا على الزوجة الخائنة و هجروها و هدموا العش القديم.
قصة عجيبة. لو روتها لي اولغا في هذه الأيام لما صدقتها . و لكنني سمعتها منها في ايام غابرة عندما كان الناس في العراق لم يتعلموا على الكذب الذي تعلموا عليه في هذه الايام من زعمائهم.
العالم 22-3-10
الحمام و الاقتصاد الوطني
خالد القشطيني
كلما واجه الغربيون ازمة طاقة القوا با للوم على الحمام. فالبانيو في الحمام الغربي يتطلب الكثير من الماء الساخن و الذي يستهلك في تسخينه كثيرا من الوقود. عانوا من ذلك اثناء الحرب و لكن الأزمة استمرت في بريطانيا حين كان هيو غيتسكل وزيرا للطاقة و الوقود فقاد حملة لتخفيض استهلاك الوقود بنسبة عشرة بالمائة. و كان اول ما خطر له الحد من استعمال الحمامات. فراح يطوف البلاد يخطب و يعظ الجمهور بتقليل الغسل ، وهو شيء عجيب من وزير يفترض فيه حث الناس على النظافة. لسوء حظ غيتسكل انه كان قليل الاطلاع عى الاسلام و الا لطلب فتوى من المرجعية بحث الناس على التيمم.
الحكومات عندهم تختلف عن حكوماتنا. فالجمهور عندهم ينتظر من الوزراء و المسؤولين ان يبدأو بأنفسهم و يعطوا قدوة للآخرين. و هكذا اضطر غيتسكل ان يصارح الناس فيقول: " انا شخصيا لم آخذ حمامات كثيرة في حياتي مطلقا. و استطيع ان اؤكد لمن اعتاد على الاستحمام الكثير بأن قلة الاستحمام لا يؤثر كثيرا على الصحة. و بقدر ما يتعلق الأمر بالمظهر فلا احد يرى ما هو تحت ثيابك."
و بالطبع مسك خصومه المحافظون بذلك و راحوا يشهرون به بأن يشجع الشعب على القذارة. و راحوا ينعتونه بالوزير الوسخ. انبرى تشرشل في البرلمان فقال: عندما يتفوه وزراء صاحب الجلالة بمثل هذا الكلام ، فلا ينبغي لهم ان يتعجبوا اذا ما لاحظوا ان روائحهم الكريهة اخذت تزداد من يوم الى يوم. و اتسائل يا سيدي رئيس الجلسة اذا كان من الجائز الآن ان نستعمل كلمة " جيفة" كأصطلاح برلماني ، في الاشارة لهذه الحكومة الحاضرة."
و بعد ان القى الزعيم العمالي نفسه في هذا المأزق ، لم يجد اصحابه و ذووه غير ان يهبوا لنجدته فتطوعت خادمته و زوجته بأن ما قاله غير صحيح ، و انه يأخذ حماما كل يوم. فانطلقت ضجة جديدة ضده بأنه كان يكذب فيما يقول. و الكذب في بريطانيا اسوء بكثير من الوساخة .
عادت الحمامات لتشغل بال الحكومة البريطانية في عهد ادوارد هيث عندما واجهت ازمة وقود مشابهة و اضطرت مرة اخرى الى مناشدة الجمهور بالأقتصاد في استعمال الحمام. لم يعيدوا غلطة هيو غيتسكل و لكنهم وزعوا ملصقات لرجل و امرأة في البانيو فوق كلمات تقول: " خذ امرأة معك في البانيو!" الفكرة هي ان وجود جسمين في البانيو بدلا من جسم واحد يقلل من كمية الماء الساخن المطلوب لملآ البانيو. و ربما يجد الرجل في المرأة من الحرارة ما يغنيه عن سخونة الماء. و لكن خصوم الحكومة اعطوا النداء تعليلا آخر. انه يشجع على الاباحية والتفسخ الاخلاقي. و لكن المسكين ادوارد هيث الذي لم يتزوج و لم يعرف المرأة و مطباتها في حياته وقع في فخ من حيث لا يعرف. و كله بسبب الحمامات الملعونة.
خالد القشطيني
كلما واجه الغربيون ازمة طاقة القوا با للوم على الحمام. فالبانيو في الحمام الغربي يتطلب الكثير من الماء الساخن و الذي يستهلك في تسخينه كثيرا من الوقود. عانوا من ذلك اثناء الحرب و لكن الأزمة استمرت في بريطانيا حين كان هيو غيتسكل وزيرا للطاقة و الوقود فقاد حملة لتخفيض استهلاك الوقود بنسبة عشرة بالمائة. و كان اول ما خطر له الحد من استعمال الحمامات. فراح يطوف البلاد يخطب و يعظ الجمهور بتقليل الغسل ، وهو شيء عجيب من وزير يفترض فيه حث الناس على النظافة. لسوء حظ غيتسكل انه كان قليل الاطلاع عى الاسلام و الا لطلب فتوى من المرجعية بحث الناس على التيمم.
الحكومات عندهم تختلف عن حكوماتنا. فالجمهور عندهم ينتظر من الوزراء و المسؤولين ان يبدأو بأنفسهم و يعطوا قدوة للآخرين. و هكذا اضطر غيتسكل ان يصارح الناس فيقول: " انا شخصيا لم آخذ حمامات كثيرة في حياتي مطلقا. و استطيع ان اؤكد لمن اعتاد على الاستحمام الكثير بأن قلة الاستحمام لا يؤثر كثيرا على الصحة. و بقدر ما يتعلق الأمر بالمظهر فلا احد يرى ما هو تحت ثيابك."
و بالطبع مسك خصومه المحافظون بذلك و راحوا يشهرون به بأن يشجع الشعب على القذارة. و راحوا ينعتونه بالوزير الوسخ. انبرى تشرشل في البرلمان فقال: عندما يتفوه وزراء صاحب الجلالة بمثل هذا الكلام ، فلا ينبغي لهم ان يتعجبوا اذا ما لاحظوا ان روائحهم الكريهة اخذت تزداد من يوم الى يوم. و اتسائل يا سيدي رئيس الجلسة اذا كان من الجائز الآن ان نستعمل كلمة " جيفة" كأصطلاح برلماني ، في الاشارة لهذه الحكومة الحاضرة."
و بعد ان القى الزعيم العمالي نفسه في هذا المأزق ، لم يجد اصحابه و ذووه غير ان يهبوا لنجدته فتطوعت خادمته و زوجته بأن ما قاله غير صحيح ، و انه يأخذ حماما كل يوم. فانطلقت ضجة جديدة ضده بأنه كان يكذب فيما يقول. و الكذب في بريطانيا اسوء بكثير من الوساخة .
عادت الحمامات لتشغل بال الحكومة البريطانية في عهد ادوارد هيث عندما واجهت ازمة وقود مشابهة و اضطرت مرة اخرى الى مناشدة الجمهور بالأقتصاد في استعمال الحمام. لم يعيدوا غلطة هيو غيتسكل و لكنهم وزعوا ملصقات لرجل و امرأة في البانيو فوق كلمات تقول: " خذ امرأة معك في البانيو!" الفكرة هي ان وجود جسمين في البانيو بدلا من جسم واحد يقلل من كمية الماء الساخن المطلوب لملآ البانيو. و ربما يجد الرجل في المرأة من الحرارة ما يغنيه عن سخونة الماء. و لكن خصوم الحكومة اعطوا النداء تعليلا آخر. انه يشجع على الاباحية والتفسخ الاخلاقي. و لكن المسكين ادوارد هيث الذي لم يتزوج و لم يعرف المرأة و مطباتها في حياته وقع في فخ من حيث لا يعرف. و كله بسبب الحمامات الملعونة.
Subscribe to:
Posts (Atom)